ابو القاسم عبد الكريم القشيري
199
لطائف الإشارات
ويقال : في مساءلة الأطلال أخذ لقلوب الأحباب ، وسلوة لأسرارهم . . وهذا الباب مما للشرح فيه مجال . قوله جل ذكره [ سورة يوسف ( 12 ) : آية 83 ] قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ ( 83 ) لجأ إلى قرب خلاصه من الضرّ بالصبر . ويقال لما وعد من نفسه الصبر فلم يمس حتى قال : « يا أَسَفى عَلى يُوسُفَ » ليعلم أنّ عزم الأحباب على الصبر منقوض غير محفوظ « 1 » . قوله جل ذكره : [ سورة يوسف ( 12 ) : آية 84 ] وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقالَ يا أَسَفى عَلى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ ( 84 ) تولّى عن الجميع - وإن كانوا أولاده - ليعلم أنّ المحبة لا تبقى ولا تذر . ويقال أراد إخوة يوسف أن يكون إقبال يعقوب عليهم بالكليّة فأعرض ، وتولّى عنهم ، وفاتهم ما كان لهم ، ولهذا قيل : من طلب الكلّ فاته الكلّ . ويقال لم يجد يعقوب مساعدا لنفسه على تأسفه على يوسف فتولّى عن الجميع ، وانفرد بإظهار أسفه ، وفي معناه أنشدوا : فريد عن الخلّان في كل بلدة * إذا عظم المطلوب قلّ المساعد ويقال كان بكاء داود عليه السلام أكثر من بكاء يعقوب عليه السلام ، فلم يذهب بصر داود وذهب بصر يعقوب ؛ لأن يعقوب عليه السلام بكى لأجل يوسف ولم يكن في قدرة
--> ( 1 ) يوضح القشيري هذا المعنى في رسالته حيث يقول : [ واعلم أن الصبر على ضربين : صبر العابدين وصبر المحبين ، فصبر العابدين أحسنه أن يكون محفوظا وصبر المحبين أحسنه أن يكون مرفوضا ، وفي هذا المعنى سمعت الأستاذ أبا على الدقاق يقول : أصبح يعقوب وقد وعد من نفسه - فصبر جميل - ثم لم يمس حتى قال . يا أسفا على يوسف ] الرسالة ص 95 .